ابن المقفع
116
آثار ابن المقفع
وتخاطر بها ، وإياك ان يكون مثلك مثل العلجوم « 1 » الذي أراد قتل السرطان فقتل نفسه . قال الغراب : وكيف كان ذلك ؟ قال ابن آوى : زعموا أن علجوما عشّش في أجمة كثيرة السمك فكان يختلف « 2 » إلى ما فيها من السمك فيأكل منه . فعاش بها ما عاش ثم هرم فلم يستطع صيدا ، فأصابه جوع وجهد شديد فجلس حزينا يلتمس الحيلة في امره . فمر به سرطان فرأى حالته وما هو عليه من الكآبة والحزن ، فدنا منه وقال له : ما لي أراك أيها الطائر هكذا حزينا كئيبا ؟ قال العلجوم : وكيف لا احزن وقد كنت أعيش من صيد ما ههنا من السمك ، وإني رأيت اليوم صيادين قد مرا بهذا المكان فقال أحدهما لصاحبه : ان ههنا سمكا كثيرا ، أفلا نصيده أولا ؟ فقال الآخر : إني قد رأيت في مكان كذا سمكا أكثر من هذا السمك فلنبدأ بذلك ، فإذا فرغنا منه جئنا إلى هذا فأفنيناه . وقد علمت أنهما إذا فرغا مما ثمّ « 3 » انتهيا إلى هذه الأجمة فاصطادا ما فيها ، فإذا كان ذلك فهو هلاكي ونفاد « 4 » مدتي . فانطلق السرطان إلى جماعة السمك فأخبرهن بذلك ، فأقبلن على العلجوم فاستشرنه وقلن له : إنا أتيناك لتشير علينا ، فإن ذا العقل لا يدع مشاورة عدوه وبقاؤك ببقائنا . قال العلجوم : أما مكابرة « 5 » الصيادين فلا طاقة لي بها ، ولا أعلم حيلة إلا لمصير إلى غدير « 6 » قريب من هنا فيه سمك ومياه كثيرة وقصب ، فإن استطعتن الانتقال إليه كان فيه صلاحكن وخصبكن . فقلن له : ما يمن علينا بذلك غيرك . فجعل العلجوم يحمل في كل يوم سمكتين حتى
--> ( 1 ) العلجوم : طائر . ( 2 ) يختلف : يتردد . ( 3 ) ثم : هناك . ( 4 ) نفاد : انتهاء . ( 5 ) مكابرة : مغالبة ومقاومة . ( 6 ) غدير : مستنقع .